الخطاب الحسيني في عصر الذكاء الاصطناعي
لم يشهد التاريخ البشري عصرًا تتدفق فيه المعلومات بالسرعة التي نشهدها اليوم، ولم يمتلك الإنسان من الأدوات ما يمتلكه في هذا العصر.
وفي قلب هذا التحول المعرفي المتسارع يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أكثر الأدوات تأثيرًا في بناء المعرفة وإنتاجها. فلم يعد حضوره مقتصرًا على مجالٍ دون آخر، بل امتد ليشمل مختلف ميادين الفكر والإبداع والعمل؛ من الكتابة والبحث العلمي، إلى الخطابة والتأليف والرسم والهندسة وسائر المجالات التي تقوم على إنتاج المعرفة أو توظيفها؛ حتى أصبح حضوره طاغيًا على ملامح الحياة المعاصرة، الأمر الذي جعل كثيرين يطلقون على زمننا هذا اسم: عصر الذكاء الاصطناعي.
وهنا نجد أن الناس يختلفون في طبيعة تعاملهم معه؛ فبعضهم يعتمد عليه اعتمادًا شبه كلِّي، في حين يتعامل معه آخرون بوصفه أداةً مساعدةً تعينهم على تطوير أعمالهم وتسريع إنجازها، مع بقاء الدور الرئيس للإنسان في إنتاج المعرفة وتوجيهها، وفي الاختيار والإبداع.
ومن هذا المنطلق، يمكن للخطيب الحسيني أن يوظّف الذكاء الاصطناعي في إعداد خطابه وتطوير أدواته المعرفية، لا أن يقف موقف الرفض منه، بل أن يتعامل معه بوصفه أداةً يمكن الاستفادة منها وتوظيف إمكاناتها فيما يخدم رسالته. غير أن الاستفادة من هذه التقنية لا تُلغي التحديات الجديدة التي فرضها هذا العصر، ولا تُخفف من حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الخطاب الحسيني.
ومن هنا فإن مسؤولية الخطيب الحسيني اليوم تبدو أكبر وأعظم من أي وقتٍ مضى؛ نتيجة هذه التحولات الفكرية والثقافية المتسارعة، وما يرتبط بها من تطورات تقنية هائلة. وذلك يستدعي أن يكون الخطاب الحسيني على قدر هذه المسؤولية، قادرًا على مواكبة هذه المتغيرات من جهة، ومعالجة القضايا التي تمس واقع الإنسان ومجتمعه من جهة أخرى.
فالمنبر الحسيني لم يكن يومًا مجرّد وسيلةٍ لاستذكار أحداث الماضي، بل هو منبرٌ لصناعة الوعي، وبناء الإنسان، وتوجيه المجتمع نحو القيم التي قامت من أجلها نهضة الإمام الحسين ”
“؛ قيم الحق والعدل والكرامة والوعي والمسؤولية.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي الذي يواجه الخطيب الحسيني والشاعر الحسيني والرادود الحسيني وهو أن يسأل كلٌّ منهم نفسه: ما الذي أستطيع أن أقدِّمه للناس ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدمه لهم؟
إن هذا السؤال ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهن كلِّ من يتصدى للخطاب الحسيني؛ لأن قيمة المنبر اليوم لا تكمن في تكرار المعلومات أو إعادة نقل ما هو موجود في الكتب والمصادر، فهذه المعارف أصبحت في متناول الجميع. وإنما تكمن قيمته في تقديم ما يتجاوز المعلومة إلى بناء الوعي. وإذا كان بناء الوعي هو المهمة الكبرى للخطاب الحسيني في هذا العصر، فإن ذلك يقتضي التركيز على مجموعةٍ من الوظائف التي لا يزال الإنسان في أمسِّ الحاجة إليها رغم هذا الفيض المعرفي الهائل.
ومن أهم هذه الأدوار ثلاث وظائف أساسية تزداد الحاجة إليها كلَّما اتسع حضور الذكاء الاصطناعي في حياة الناس:
*الوظيفة الأولى: بناء البصيرة النقدية. *
إن الذكاء الاصطناعي قادرٌ على أن يجمع المعلومات ويعرض الآراء المختلفة والمتعارضة، لكنه لا يمنح الإنسان بالضرورة القدرة على التمييز بينها. إنه يقدم ما هو موجود في فضاء المعرفة، أما مهمة الفرز والتمييز والنقد والترجيح فهي مسؤولية الإنسان الواعي.
ولهذا فإن الخطاب الحسيني لا ينبغي أن يقف عند حدود نقل المعلومة وإنما يرتقي إلى مستوى أعلى يتمثل في بناء البصيرة النقدية التي تمكّن الإنسان من التمييز بين الحق والباطل، وبين الفكرة الرشيدة والفكرة المنحرفة، وبين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضلّلة.
*الوظيفة الثانية: صناعة البوصلة القيمية. *
المعلومة وحدها لا تكفي لصناعة الإنسان، لأن السؤال الأهم ليس: ماذا أعرف؟ بل: إلى أين أتجه؟ فقد يحصل الإنسان على آلاف المعلومات في دقائق معدودة، غير أنه يبقى محتاجًا إلى بوصلةٍ تُحدّد له وجهته في الحياة، وترشده إلى الخيارات التي تنسجم مع قيمه ومبادئه وأهدافه. وهنا يأتي دور الخطاب الحسيني في رسم الاتجاه الصحيح، وغرس القيم، وتوجيه الإنسان نحو المسار الذي يُحقق له إنسانيته ورساليته.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجيب عن كثيرٍ من الأسئلة، لكنه لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الأهم: لماذا أعيش؟ ولأجل أي قضية أتحرك؟ وهذه هي المساحة التي يبقى فيها الخطاب الحسيني حاجةً متجددةً في كلِّ عصر، وتزداد أهميته فيها كلما ازدادت المعرفة وفاضت المعلومات.
*الوظيفة الثالثة: استنهاض حسّ المسؤولية. *
وهذه من القضايا التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنعها مهما بلغت قدراته؛ إذ يمكنه أن يقدم المعلومات، وأن يجيب عن الأسئلة، وأن يعرض الخيارات المختلفة، لكنه لا يستطيع أن يغرس في أعماق الإنسان الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه.
إن الشاب المعاصر لا يحتاج إلى مزيد من المعلومات فحسب، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن له دورًا حقيقيًا في هذه الحياة، وأن عليه رسالةً ينبغي أن يؤديها، ومسؤوليةً ينبغي أن ينهض بها. فكثير من الناس يعيشون حياتهم من غير إحساسٍ واضحٍ بالمسؤولية، وبعضهم لا يتحمل المسؤولية حتى تجاه ذاته، فضلًا عن مسؤوليته تجاه أسرته أو مجتمعه أو أمته. بل قد نجد من يتحرك وفق ما يفرضه الآخرون عليه من توجيهات وتأثيرات دون أن يمتلك رؤيةً مستقلة أو موقفًا واعيًا، حتى لكأنه آلةٌ تستجيب للمؤثرات من حولها دون تفكيرٍ أو وعي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن يمنح الخطاب الحسيني مساحةً أكبر لتعزيز روح المسؤولية في نفوس المستمعين، ولا سيما فئة الشباب. فالإمام الحسين ”
“ لم ينطلق في نهضته المباركة إلا بدافع المسؤولية تجاه الدين والأمة والإنسانية، كما أن أصحابه الذين وقفوا معه جسّدوا أعلى صور الشعور بالمسؤولية والالتزام بالمبدأ، حتى بذلوا أرواحهم في سبيل ما آمنوا به.
ومن هنا فإن نجاح الخطاب الحسيني لا يقاس فقط بكمية المعلومات التي يقدمها، بل بقدرته على صناعة الإنسان المسؤول. فالمنبر الحسيني الناجح هو الذي يجعل المستمع أكثر وعيًا، وأكثر بصيرةً، وأكثر إحساسًا بمسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته. وعندئذٍ يتحول موسم المحرم من مناسبةٍ لاستذكار حدثٍ تاريخي عظيم إلى مدرسةٍ متجدّدةٍ لبناء الإنسان الواعي والمسؤول، القادر على أن يحمل رسالته في الحياة كما حمل أصحاب الحسين ”
“ رسالتهم في كربلاء.
*وفي الختام، * ففي زمنٍ تتغير فيه الأدوات وتتسارع فيه المعرفة، تبقى حاجة الإنسان إلى الوعي والقيم والمسؤولية حاجةً ثابتةً لا تتغير. ومن هنا يظل الخطاب الحسيني رسالةً متجددةً تستلهم من كربلاء القدرة على بناء الإنسان وتمكينه من مواجهة تحديات عصره بوعيٍ وبصيرة، ليبقى صوت الإمام الحسين ”
“ حاضرًا في كلِّ عصر، ومنارةً تهدي الإنسان إلى الحق، وتوقظ فيه الوعي والمسؤولية مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت والوسائل.










