من وحي يوم المعلم - «النهج» بئر معطلة «1»

حسبنا من دنيانا لقمةٌ تسد جوعنا، وقطيعات قماش تستر عوراتنا في الحد الأدنى، لنشمر سواعدنا نحو الفوز الأعظم، ألا وهو رضوان الله تبارك وتعالى: «أَلا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمارُ، وَغَداً السِّباقُ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغايَةُ النّارُ» «عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب «عليهما السلام» - المصدر: تطبيق مدينة الحكمة عن عيون الحكم والمواعظ».

هذه النظرة تجعلنا نرى كثيرًا من النعم التي اعتدنا على رؤيتها بشهود يرقينا في مدارج وعي معنى قوله تعالى: «وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» «إبراهيم - 34». وكذلك يرينا كم نحن نصرف وقتًا لعبًا تارةً، ولهوًا أخرى، عن الأنس بالجلوس مع أمير المؤمنين مثلًا.

وهل يُمكن لنا الجلوس معه، أرواحنا فداه؟ المحبون يتوقون لزيارته في كل لحظة، فكيف بالجلوس إليه ؟

نعم، قلوب المؤمنين تنطف حبًا لأمير المؤمنين، بل وكل صحيحي النظر:

جلجل الحق في المسيحي حتى

عد من فرط حبه علويًا

ولكن هناك مفارقة؟

ما هي؟

المُفارَقة في علم المنطق كل ما هو مُناقِض لِلرأي المعروف أو لِلعِلم المُسلَّم به. مثل: الإقرار بأن «كل إنسان فانٍ»، و«بعض الإنسان غير فانٍ»، مُفارَقة أو نقيضة.

فأين ذلك في حب المؤمنين لأمير المؤمنين وتوقهم لزيارته والجلوس إليه؟

المفارقة أن هذا الشوق يتلاشى بعد العودة للوطن، بل حتى وهو في المجف يعود لسكناه أحدنا ولا يفتح صفحات من نهج البلاغة أو روايات عنه من المصادر الروائية المعروفة.

وهل قراءة نهج البلاغة أو الروايات بهذه المكانة؟

كيف لا، كلا، والزيارة الجامعة تقول: «كَلامُكُم نُورٌ وَأمرُكُم رُشدٌ وَوَصِيَّتُكُمُ التَّقوى وَفِعلُكُمُ الخَيرُ وَعادَتُكُمُ الإحسانُ وَسَجِيَّتُكُمُ الكَرَمُ وَشَأنُكُمُ الحَقُّ وَالصِّدقُ وَالرِّفقُ وَقَولُكُم حُكمٌ وَحَتمٌ وَرَأيُكُم عِلمٌ وَحِلمٌ وَحَزمٌ، إن ذُكِرَ الخَيرُ كُنتُم أوَّلَهُ وَأصلَهُ وَفَرعَهُ وَمَعدِنَهُ وَمَأواهُ وَمُنتَهاهُ». وها هو فاطر النهج يقول: قال: «تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسانِه» «المصدر نفسه».

ومن يعرف عليًا أكثر من علي نفسه بعد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما؟

ومن يفهم نهج البلاغة إلا من له حظ في علوم اللغة العربية؟

يفهمه من يقرأ لشارحي النهج، وإليك بعضها بمساعدة صديقنا المغذى بالخوارزميات: -

أشهر شروح نهج البلاغة

1. معارج نهج البلاغة — أبو الحسن علي بن زيد البيهقي، المعروف بفريد خراسان وابن فندق — ت 565 هـ . وقد ألّفه سنة 552 هـ .

2. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي — ت 573 هـ .

3. حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، ويُذكر أيضًا بعنوان «حدائق الحقائق في تفسير دقائق أفصح الخلائق» — قطب الدين أبو الحسن محمد بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي — ت بعد 576 هـ . وقد أتمّه سنة 576 هـ .

4. شرح نهج البلاغة — عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني المعتزلي — ت 656 هـ .

5. شرح نهج البلاغة، المعروف ب «مصباح السالكين» — كمال الدين ميثم بن علي البحراني — ت 679 هـ .

6. شرح نهج البلاغة — عبد الرحمن بن محمد العتائقي الحلي — ت نحو 790 هـ .

7. نخبة الشرحين — السيد عبد الله بن محمد رضا شبر — ت 1242 هـ .

8. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — الميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي — ت 1324 هـ .

9. نهج البلاغة: خطب الإمام علي بن أبي طالب ، مع شرح وتعليق — الشيخ محمد عبده — ت 1323 هـ . وقد أثبتت المصادر عنوان طبعة محمد عبده بهذه الصيغة.

10. في ظلال نهج البلاغة — الشيخ محمد جواد مغنية — ت 1400 هـ .

11. بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — العلامة الشيخ محمد تقي التستري — ت 1415 هـ .

12. شرح نهج البلاغة — السيد محمد كاظم القزويني — ت 1415 هـ .

13. شرح نهج البلاغة — السيد عباس علي — ت 1424 هـ .

14. نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة — الشيخ الشيرازي — معاصر، حفظه الله.

بأيها ينصح العلماء؟

لعل نفحات الولاية أفضلها؛ لأن مؤلفه بمعية فريقه تولوا مهمة البحث في الشروح السابقة، وخرجوا بشرح لغته معاصرة على خطى تفسيره الشهير الأمثل. مع ذلك، قال أحد علمائنا في النجف الأشرف إن شرح ابن الحديد هو الأكمل بينها، من ناحية الشرح، وليس بموافقة الشارح في جميع ما أثبته أو نفاه، فمن البديهيات أن علماءنا لم يعطوا أي كتاب العصمة إلا الكتاب العزيز والروايات قطعية الصدور عن أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

من الجدير بالذكر أنه هناك مواقع إلكترونية مخصصة في جامعة نهج البلاغة - لو صح التعبير - لتتبعها كل ما كتب، بدءًا بالمقالات إلى الشروح الضخمة، شكر الله سعيهم، وسقاهم من حوض الأمير بكفه وببركته، سلام الله عليه.

بوحٌ ختامي

لست هنا لأستعرض كتابة مقالٍ والدعوة لشيء لم أنل نصيبًا منه، فبحمد الله - كما كثير منكم - أنست ببعض زهور نهج البلاغة، إن لم يكن معظمها، ووفقت إلى دراسة سند «خطبة المتقين» بناءً على رأي أستاذ الحوزة والمراجع والعلماء السيد الخوئي رضوان الله عليه وقدس سره الشريف، وهي عملية في متناول الجميع بالبحث عن السند، ثم البحث عن حال الراوي في كتاب معجم رجال الحديث للسيد الخوئي، رزقنا المولى شفاعته يوم القيامة.

ومضة

1. أمير المؤمنين المعلم الأول بعد رسول الله صلى الله عليهما وآلهما بشهادة الحديث الشريف ”أنا مدينة العلم وعليٌ بابها“

2. من وصية مرجعنا الأعلى دام ظله للشباب: -

وينبغي للمرء أن يأنس بكتبٍ ثلاثة يتزوّد منها بالتأمّل والتفكير:

أوّلها وأولاها: القرآن الكريم، فهو آخر رسالة من الله سبحانه إلى خلقه، وقد أرسلها إليهم ليثير دفائن العقول ويفجّر من خلالها ينابيع الحكمة، ويليّن بها قساوة القلوب، وقد بيّن فيها الحوادث ضرباً للأمثال، فعلى المرء أن لا يترك تلاوة هذا الكتاب على نفسه، يُشعرها أنّه يستمع إلى خطاب الله سبحانه له، فإنّه تعالى أنزل كتابه رسالة منه إلى جميع العالمين.

وثانيها: نهج البلاغة، فإنّه على العموم تبيين لمضامين القرآن وإشاراته بأسلوب بليغ يُحفّز في المرء روح التأمل والتفكير والاتّعاظ والحكمة. فلا ينبغي للمرء أن يترك مطالعته كلّما وجد فراغاً أو فرصة، وليشعر نفسه بأنّه ممّن يخطب فيهم الإمام كما يتمنّاه، وليهتمّ برسالته إلى ابنه الحسن ، فإنّها جاءت لمثل هذه الغاية.

وثالثها: الصحيفة السجّادية، فإنّها تتضمّن أدعية بليغة تستمدّ مضامينها من القرآن الكريم، وفيها تعليم لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من توجّهات وهواجس ورؤى وطموح، وبيان لكيفيّة محاسبته لنفسه ونقده لها ومكاشفتها بخباياها وأسرارها، ولا سيّما دعاء مكارم الأخلاق منها «2».

1. قال تبارك وتعالى: ”فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ“ «الحج - 45»
تفسير الأمثل: ممّا يلفت النظر التّفسير الذي ورد عن أهل البيت عليهم السّلام حيث فسّروا وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ بالعلماء الذين لا يستفيد منهم المجتمع، فبقيت علومهم معطّلة.
فقد روي عن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام‌ في تفسير عبارة وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ قوله:
«البئر المعطّلة الإمام الصامت، والقصر المشيد الإمام الناطق»
نص الوصية
https://www.sistani.org/arabic/archive/25237/